فصل: الشاهد التاسع والأربعون بعد السبعمائة(br)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: خزانة الأدب وغاية الأرب ***


الشاهد السابع والأربعون بعد السبعمائة‏:‏ الكامل

ظني بهم كعسى وهم بتنوفة *** يتنازعون جوائز الأمثال

على أن أبا عبيدة، قال‏:‏ إن عسى تأتي بمعنى اليقين كما في البيت‏.‏

ونقله عنه عبد الواحد أبو الطيب اللغوي في كتاب الأضداد قال فيه‏:‏ قال أبو حاتم وقطرب‏:‏ عسى تكون شكاً مرة، ويقيناً أخرى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏عسى ربكم أن يرحمكم وعسى في القرآن واجبة‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هي واجبة من الله‏.‏ وكل ما في القرآن من ذلك فهو واجب من الله‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ ومنه قول ابن مقبل‏:‏ ظني بهم كعسى، البيت، أي‏:‏ ظني بهم كيقين‏.‏ انتهى‏.‏

واعترض عليه الشارح المحقق بأنه لا يعرف عسى في غير كلام الله لليقين ويجوز أن يكون معنى‏:‏ ظني بهم كعسى، أي‏:‏ رجاء مع طمع‏.‏

ويؤيد توقفه ما ذهب إليه ابن السكيت في كتاب الأضداد،، قال فيه‏:‏ الظن يقين، والظن شك؛ ومن اليقين قول ابن مقبل‏:‏

ظن بهم كعسى وهم بتنوفة *** يتنازعون جوائز الأمثال

ويروى‏:‏ جوائب، أي‏:‏ تجوب البلاد‏.‏ يقول‏:‏ اليقين منهم كعسى، وعسى شك‏.‏ انتهى‏.‏

فجعل اليقين للظن وعسى للشك على أصلها‏.‏ والرواية عنده‏:‏ ظن بهم كعسى، بتنوين ظن من غير إضافة إلى الياء‏.‏ والباء متعلقة بمحذوف على أنه صفة لظن، وهو مبتدأ، وخبره كعسى، وخبره محذوف، أي‏:‏ للناس ظن بهم، فالياء متعلقة بظن، والكاف اسم صفة لظن، وجملة‏:‏ وهم بتنوفة حالية، وجملة‏:‏ يتنازعون حال من ضمير الظرف المستقر‏.‏

والتنوفة‏:‏ الفلاة‏.‏ ويتنازعون‏:‏ يتجاذبون‏.‏ وجوائز الأمثال، أي‏:‏ الأمثال السائرة في البلاد‏.‏

وبمعناه جوائب الأمثال من جاب الوادي والمكان يجوبه جوباً، إذا سلكه وقطعه‏.‏ وأما على رواية ظني بالإضافة فهو مبتدأ وخبره كعسى، أي‏:‏ يقيني بهم كشك في حال كونهم في الفلاة، إذ ليست أعلم الغيب‏.‏

يريد أنه لا يقين له بهم‏.‏ وبهذه الرواية فسر أبو حاتم الظن في البيت باليقين، نقله عنه عبد الواحد المذكور، قال في كتابه الأضداد‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وظن أنه الفراق فأظنه يستيقن‏.‏

قال الشاعر في الظن بمعنى اليقين‏.‏

ظني بهم كعسى البيت

والجوائز‏:‏ التي تجوز البلاد، أي‏:‏ تقطعها‏.‏ يقول‏:‏ يقيني بهم كعسى‏.‏ انتهى‏.‏

ولم أقف على تتمة هذا البيت، وهو لابن مقبل، وهو شاعر إسلامي تقدمت ترجمته في الشاهد الثاني والثلاثين‏.‏

ثم رأيت في كتاب الأضداد لأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، قال‏:‏ عسى لها معنيان متضادان‏:‏ أحدهما‏:‏ الشك والطمع، والآخر‏:‏ اليقين‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم معناه ويقين أن ذاك يكون‏.‏

وقال بعض المفسرين‏:‏ عسى في جميع كتاب الله واجبة‏.‏ وقال غيره‏:‏ عسى في القرآن واجبة إلا في موضعين في سورة بني إسرائيل‏:‏ عسى ربكم أن يرحمكم يعني بني النضير، فما رحمهم ربهم، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقع العقوبة بهم‏.‏

وفي سورة التحريم‏:‏ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً فما أبدله الله بهن أزواجاً، ولا بن منه حتى قبض عليه السلام‏.‏ وقال تميم بن أبي بن مقبل في كون عسى إيجاباً‏:‏

ظن بهم كعسى وهم بتنوفة *** يتنازعون جوائز الأمثال

أراد‏:‏ ظن بهم كيقين‏.‏ ويروى‏:‏ سوائر الأمثال‏.‏ ويروى‏:‏ جوائب الأمثال‏.‏

وأنشدنا أبو العباس‏:‏ الوافر

عسى الكرب الذي أمسيت فيه البيت

فعسى في هذا الباب على معنى الشك‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثامن والأربعون بعد السبعمائة

الرجز

لا تلحني إني عسيت صائماً

على أن المتأخرين استدلوا بهذا، وبالمثل، وهو‏:‏ عسى الغوير أبؤساً بوقوع المفرد منصوباً بعد مرفوع، على أن أنْ والفعل في قولهم‏:‏ عسى زيد أن يفعل، في موضع نصب على أنه خبر لعسى، وهي تعمل عمل كان‏.‏

قال ابن هشام في شرح أبيات الناظم‏:‏ طعن في هذا البيت عبد الواحد الطراح في كتابه بغية الآمل، ومنية السائل‏.‏ فقال‏:‏ هو بيت مجهول، لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به‏.‏ ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتاً من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلوها، وخمسين بيتاً مجهولة القائلين‏.‏ انتهى‏.‏

أقول‏:‏ الشاهد الذي جهل قائله إن أنشده ثقة كسيبويه، وابن السراج والمبرد ونحوهم، فهو مقبل يعتمد عليه، ولا يضر جهل قائله، فإن الثقة لو لم يعلم أنه من شعر من يصح الاستدلال بكلامه لما أنشده‏.‏

ومراد عبد الواحد أنه لم ينسبه الشراح إلى أحد ممن أنشده من الثقات وإلى قائل معين يحتج بكلامه‏.‏

ثم قال ابن هشام‏:‏ وقد حرف ابن الشجري هذا الرجز، فأنشده‏:‏ الرجز

قم قائماً قم قائم *** إني عسيت صائماً

وإنما قم قائماً صدر رجز آخر، يأتي في باب الحال، ولا يتركب قوله‏:‏ إني عسيت صائماً، عليه؛ بل أصله‏:‏

أكثرت في العذل ملحاً دائم *** لا تكثرن إني عسيت صائماً

فإن معناه‏:‏ أيها العاذل الملح في عذله، إنه لا يمكن مقابلة كلامك بما يناسبه من السب، فإنني صائم‏.‏ وهو مقتبس من الحديث‏:‏ فليقل إني صائم‏.‏ ويروى‏:‏ لا تلحني مكان لا تكثرن، وهو بفتح التاء‏.‏ يقال‏:‏ لحيته ألحاه لحياً، إذا لمته‏.‏

والشاهد في قوله‏:‏ صائماً، فإنه اسم مفرد جيء به خبراً عسى‏.‏

كذا قالوا، والحق خلافه، وإن عسى هنا فعل تام خبري، لا فعل ناقص إنشائي‏.‏ يدلك على أنه خبري وقوعه خبراً لإن، ولا يجوز بالاتفاق‏:‏ إن زيداً هل قام‏؟‏ وأن هذا الكلام يقبل التصديق والتكذيب‏!‏ وعلى هذا فالمعنى‏:‏ إني رجوت أن أكون صائماً‏.‏ فصائماً خبر لكان، وأن والفعل مفعول لعسى‏.‏ وسيبويه يجيز حذف أن والفعل إذا قويت الدلالة على المحذوف‏.‏

ألا ترى أنه قدر في قوله‏:‏

من لد شولاً

من لد أن كانت شولاً‏.‏

ومن وقوع عسى فعلاً خبرياً قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ألا ترى أن الاستفهام طلب، فلا يدخل على الجملة الإنشائية، وأن المعنى قد طمعتم أن لا تقاتلوا إن كتب عليكم القتال‏.‏

ومما يحتاج إلى النظر قول القائل‏:‏ عسى زيد أن يقوم، فإنك قد قدرت عسى فيه فعلاً إنشائياً، كما قاله النحويون أشكل، إذ لا يسند فعل الإنشاء إلا إلى منشئه، وهو المتكلم، كبعت، واشتريت، وأقسمت، وقبلت، وحررتك‏.‏ وأيضاً فمن المعلوم أن زيداً لم يترج، وإنما المترجي المتكلم‏.‏

وإن قدرته خبراً، كما في البيت والآية، فليس المعنى على الإخبار، ولهذا لا يصح تصديق قائله ولا تكذيبه‏.‏

فإن قلت‏:‏ يخلص من هذا الإشكال، أنهم نصوا على أن كان وما أشبهها أفعال جارية مجرى الأدوات، فلا يلزم فيها حكم سائر الأفعال‏.‏

قلت‏:‏ قد اعترفوا مع ذلك بأنها مسندة، إذ لا ينفك الفعل المركب عن الإسناد إلا إن كان زائد ومؤكداً، على خلف في هذين أيضاً‏.‏ وقالوا‏:‏ إن كان مسندة إلى مضمون الجملة‏.‏

وقد بينا أن الفعل الإنشائي لا يمكن إسناده لغير المتكلم‏.‏ وإنما الذي يخلص من الإشكال أن يدعى أنها هنا حرف بمنزلة لعل، كما قال سيبويه والسيرافي بحرفيتها في نحو‏:‏ عسى وعساك وعساه‏.‏

وقد ذهب أبو كبر وجماعة إلى أنها حرف دائماً‏.‏ وإذا حملناها على الحرفية زال الإشكال، إذ الجملة الإنشائية حينئذ اسمية لا فعلية، كما تقول‏:‏ لعل زيداً يقوم‏.‏ فاعرف الحق، ودع التقليد، واستفت نفسك، وإن أفناك الناس‏.‏

هذا كلام ابن هشام، وهو خلاف مسلك الشارح المحقق‏.‏

وقال ابن هشام في شرح المثل‏:‏ إن عسى للإشفاق، والغوير‏:‏ ماء لكلب معروف‏.‏ قال ابن الكلبي‏.‏ وهو في الأصل مصغر غور وغار‏.‏ والأبؤس‏:‏ جمع بؤس، وهو الشدة‏.‏

وأصل المثل أن الزباء لما قتلت جذيمة جاء قصير إلى عمرو بن عدين فقال‏:‏ ألا تأخذ ثأر خالك‏؟‏ فقال‏:‏ كيف السبيل إلى ذلك‏.‏

فعمد قصير إلى أنفه فجدعها، فقيل‏:‏ لأمر ما جدع قصير أنفه وأتى الزباء، وزعم أنه فر إليها، وأنهم آذوه بسببها، وأقام في خدمتها مدة يتجر لها، ثم إنه أبطأ عنها في السفر، فسألت عنه، فقيل‏:‏ أخذ في طريق الغوير، فقالت‏:‏ عسى الغوير أبؤساً‏.‏

ثم لم يلبث أن جاء بالجمال عليها صناديق، في جوفها الرجال، فلما دخلوا البلد خرجوا من الصناديق، وانضاف إليهم الرجال الموكلون بالصناديق فقتلوا في الناس قتلاً ذريعاً، وقتلوا أهل الزباء، وأسروها، وفقؤوا عينها، وأتوا بها عمراً فقتلها‏.‏

وقيل‏:‏ إنها امتصت خاتماً كان معها مسموماً‏.‏ ومعنى المثل‏:‏ لعل الشر يأتي من قبل الغوير‏.‏ يضرب للرجل يتوقع الشر من جهة بعينها‏.‏

وجاء رجل إلى عمر رضي الله عنه يحمل لقيطاً، فقال له عمر‏:‏ عسى الغوير أبؤساً‏.‏ قال ابن الأعرابي‏:‏ عرض به، أي‏:‏ لعلك صاحب اللقيط‏.‏

ووهم ابن الخباز في أصل المثل، فقال‏:‏ قالته الزباء حين ألجأها قصير إلى غارها‏.‏ انتهى‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ أصله أنه كان غار فيه ناس، فانهار عليهم، وأتاهم فيه عدو فقتلهم، فصار مثلاً لكل شيء يخاف أن يأتي منه شر‏.‏

قلت‏:‏ وتكون الزباء تكلمت به تمثلاً‏.‏ وهذا حسن لأن الزباء، فيما زعموا رومية، فكيف يحتج بكلامها، وقد يقال‏:‏ وجه الحجة أن العرب تمثلت به بعدها‏.‏

واختلف في ناصب أبؤساً، فعند سيبويه وأبي علي أنه عسى، وأن ذلك من مراجعة الأصول‏.‏

وقال ابن الأعرابي‏:‏ يصير محذوفة‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ التقدير‏:‏ أن يكون أبؤساً، كقوله‏:‏ الوافر

لعمر أبيك إلا الفرقدان

ومنع سيبويه أن يكون إضمار فيه لأن فيه إضمار الموصول، وقدر إلا صفة‏.‏ وقيل التقدير‏:‏ يكون أبؤساً، وفيه مجيء الفعل بعد عسى بغير أن، وإضمار كان غير واقعة بعد أداة تطلب الفعل‏.‏ وقيل التقدير‏:‏ عسى الغوير يأتي بأبؤس، وفيه ترك أن وإسقاط الجار توسعاً‏.‏

ولكن يشهد له قول الكميت‏:‏ البسيط

قالوا أساء بنو بكر فقلت لهم *** عسى الغوير بإبآس وإغوار

وتلخص‏:‏ أن أبؤساً خبر لعسى، ولكان، ولصار، ومفعول به‏.‏ وأحسن من ذلك كله أن يقدر يبأس أبؤساً، فيكون مفعولاً مطلقاً، ويكون مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فطفق مسحاً ، أي‏:‏ يمسح مسحاً، وقول أبي دهبل الجمحي‏:‏ الطويل

لأوشك صرف الدهر تفريق بينن *** ولا يستقيم الدهر والدهر أعوج

أي‏:‏ لأوشك يفرق بيننا تفريقاً، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ظرفه‏.‏

انتهى كلام ابن هشام، وهذا خلاف ما اختاره في المغني، قال فيه‏:‏ الصواب أنهما، أي‏:‏ البيت والمثل مما حذف فيه الخبر، أي‏:‏ يكون أبؤساً، وأكون صائماً، لأن في ذلك إبقاء لهما على الاستعمال الأصلي، ولأن المرجو كونه صائماً لا نفس الصائم‏.‏ انتهى‏.‏

واعترض عليه بأنه إنما يكون ذلك إبقاء على الاستعمال الأصلي أن لو جعل التقدير أن يكون، وأن أكون، لأن الأصل في خبر عسى أن يكون بأن، وعدمها قليل كما نص هو عليه‏.‏

وقد ذكر جميع أوجه عسى في الاستعمال، ومذاهب النحويين فيها في مغني اللبيب‏.‏

وقول الشاعر‏:‏ أكثرت في العذل‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، يجوز أن يكون بيتاً مصرعاً من تام الرجز من ضربه الأول، وأن يكون بيتين من مشطوره‏.‏ وقد نسب إلى رؤبة بن العجاج، ولم أجده في ديوان رجزه‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

لعمر أبيك إلا الفرقدان

هذا عجز، وصدره‏:‏

وكل أخ مفارقه أخوه

وتقدم شرحه مفصلاً في الشاهد الأربعين بعد المائتين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد التاسع والأربعون بعد السبعمائة

الطويل

هممت ولم أفعل وكدت وليتني *** تركت على عثمان تبكي حلائله

على أن خبر كدت فيه محذوف، والتقدير‏:‏ وكدت أفعل‏.‏

كذا قدره أبو علي في كتاب الشعر وأورد له نظيراً‏.‏ والمراد‏:‏ هممت بقتله، ولم أفعله، وكدت أقتله‏.‏

وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد همت به وهم بها على أن الهم القصد، من هم بالأمر‏:‏ قصده، وعزم عليه، كما في البيت‏.‏ ومنه الهمام للملك، لأنه إذا قصد شيئاً أمضاه‏.‏

والحلائل‏:‏ جمع حليلة، وهي الزوجة‏.‏ والمعنى‏:‏ قصدت قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم أفعل ما قصدته، وقاربته، وليتني تركت زوجاته يبكين عليه‏.‏

والبيت من أبيات سبعة لضابئ البرجمي، قالها في الحبس ومات فيه، أوردها أبو تمام في كتاب مختار أشعار القبائل، وهي‏:‏

من قافل أدنى الإله ركابه *** يبلغ عني الشعر إذ مات قائله

فلا يقبلن بعدي امرؤ سيم خطة *** حذار لقاء الموت والموت نائله

ولا تتبعيني إن هلكت ملامة *** فليس بعار قتل من لا تقاتله

فإني وإياكم وشوقاً إليكم *** كقابض ماء لم تطعه أنامله

هممت ولم أفعل وكدت وليتني *** تركت على عثمان تبكي حلائله

وقائلة لا يبعدن ذلك الفتى *** إذا احمر من برد الشتاء أصائله

وقائلة لا يبعد الله ضابئ *** إذا الكبش لم يوجد له من ينازله

وقوله‏:‏ من قافل استفهام، أي‏:‏ من راجع، وجملة‏:‏ أدنى الإله ركابه، دعائية، أي‏:‏ قرب الله إبله إلى وطنه‏.‏

وقوله‏:‏ سيم خطة، أي‏:‏ كلف أمراً‏.‏ ومفعول يقبلن محذوف‏.‏

وقوله‏:‏ ولا تتبعيني خطاب لامرأته‏.‏ وقوله‏:‏ فليس بعار إلخ ، أي‏:‏ قتل من لا تقدر على مقاتلته، لأن مات في حبس الإمام‏.‏

وقوله‏:‏ وقائلة، أي‏:‏ رب قائله‏.‏ ولا يبعدن، أي‏:‏ لا يهلكن، من بعد من باب فرح، إذا هلك‏.‏

وقوله‏:‏ إذا احمر من برد إلخ ، يريد أنه مضياف في الشتاء، وهو زمن القحط عند العرب، لعدم نبات الأرض‏.‏

وقوله‏:‏ لا يبعد الله من أبعده‏:‏ أي‏:‏ أهلكه‏.‏ وضابئ آخره همزة بعد موحدة وأوله ضاد معجمة، وهو قائل الشعر‏.‏ والكبش‏:‏ السيد الشجاع‏.‏

وضابئ هذا هو ضابئ بن الحارث بن أرطاة، من بني غالب بن حنظلة التميمي البرجمي، بضم الموحدة وسكون المهملة وضم الجيم، نسبة إلى البراجم، وهم ست بطون من أولاد حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهم‏:‏ قيس، وعمرو، وغالب، وكلفة، والظليم، ومكاشر، لقبوا بالبراجم لأن رجلاً منهم اسمه حارثة بن عامر، قال لهم‏:‏ تعالوا فلنجتمع مثل براجم يدي هذه‏!‏ ففعلوا فسموا بالبراجيم، وهي عقد الأصابع‏.‏ وفي كل إصبع ثلاث براجم‏.‏

وضابئ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وكن يقنص الوحش، فاستعار من بعض بني جرول بن نهشل كلباً اسمه قرحان، بضم القاف وسكون المهملة بعدها حاء مهملة، وكان يصيد به البقر والظباء والضباع، فطال مكثه عنده، فطلبوه فامتنع، فركبوا يطلبون كلبهم، فقال لامرأته‏:‏ اخلطي لهم في قدرك من لحوم البقر، والظباء، والضباع، فإن عافوا بعضاً، وأكلوا بعضاً تركوا كلبك لك، وإن هم لم يفرقوا فلا كلب لك‏.‏

فلما أطعمهم أكلوه، ثم أخذوا كلبهم، فغضب ضابئ، ورمى أمهم بالكلب، وقال‏:‏ الطويل

تجشم نحوي وفد قرحان سربخ *** تظل به الوجناء وهي حسير

فأردفتهم كلباً فراحوا كأنم *** حباهم بتاج الهرمزان أمير

وقلدتهم ما لو رميت متالع *** به وهو مغبر لكاد يطير

فيا راكباً إما عرضت فبلغن *** أمامة مني والأمور تدور

فأمكم لا تتركوها وكلبكم *** فإن عقوق الوالدات كبير

فإنك كلب قد ضريت بما ترى *** سميع بما فوق الفراش بصير

إذا عثنت من آخر الليل دخنة *** يبيت له فوق الفراش هرير

فلما بلغهم الشعر وأنه رمى أمهم بالكلب، استعدوا عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان يحبس على الهجاء، فأرسل إليه، فأنشده الشعر‏.‏

فقال له عثمان رضي الله عنه‏:‏ ما أعرف في العرب أفحش، ولا ألأم منك، فإني ما رأيت أحداً رمى أحداً بكلب غيرك، وإني لأظنك لو كنت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لنزل فيك وحي، فحبسه في السجن، فقال في الحبس أبياتاً منها‏:‏ الطويل

ومن يك أمسى بالمدينة رحله *** فإني وقيار بها لغريب

وسيأتي إن شاء الله مع الأبيات في إن المشددة‏.‏

فلما سمعها أخرجه من الحبس، فأخذ سكيناً فجعلها في أسفل نعله ليفتك بعثمان، فأعلم بذلك فضربه، ورده إلى الحبس إلى أن مات فيه‏.‏ وفي ذلك قال الأبيات التي منها‏:‏

هممت ولم فعل وكدت وليتني ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

ولم يزل في الحبس حتى أصابته الدبيلة فأنتن، فمات في الحبس‏.‏ ولما قتل عثمان جاء عمير بن ضابئ فرفسه برجله، فكسر ضلعين من أضلاعه، وقال‏:‏ حبست أبي حتى مات‏!‏ ولما كان زمن الحجاج، واستعرض أهل الكوفة ليوجههم إلى المهلب، عرض عليه فيهم عمير بن ضابئ، وهو شيخ كبير يرعش كبراً، فقال‏:‏ أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابن أقوى على الأسفار مني، أفتقبله بديلاً‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فلما ولى قال قائل‏:‏ أتدري من هذا أيها الأمير‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ هذا عمير ابن ضابئ البرجمي الذي يقول أبوه‏:‏

هممت ولم أفعل ‏.‏‏.‏‏.‏ *** البيت

وحكى القصة، فقال الحجاج‏:‏ ردوه علي‏.‏ فلما رد قال‏:‏ أيها الشيخ، هلا بعثت إلى عثمان بديلاً يوم الدار، إن في قتلك لصلاحاً للمسلمين، يا حرسي اضرب عنقه‏!‏ وسمع ضوضاة، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ البراجم جاءت لتنصر عميراً‏.‏ قال‏:‏ أتحفوهم برأسه‏!‏ فولوا هاربين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الخمسون بعد السبعمائة

وهو من شواهد سيبويه‏:‏ الوافر

عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فرج قريب

على أنه حذف أن من خبر عسى، وهو قليل، والتقدير‏:‏ أن يكون وراءه‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

وكذا قال ابن هشام في المغني، وهو ظاهر كلام سيبويه، قال سيبويه‏:‏ واعلم أن من العرب من يقول‏:‏ عسى يفعل يشبهها بكاد يفعل، فيفعل حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قوله عسى الغوير أبؤساً‏.‏ فهذا مثل من أمثال العرب، أجروا فيه عسى مجرى كان‏.‏

قال هدبة‏:‏

عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فرج قريب

وقال‏:‏ الطويل

عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر *** بمنهمر جون الرباب سكوب

وقال‏:‏ الوافر

فما كيس فنجا ولكن *** عسى يغتر بي حمق لئيم

اه‏؟‏‏.‏

قال الأعلم‏:‏ الشاهد في هذه الأبيات إسقاط أن ضرورة، ورفع الفعل‏.‏ والمستعمل في الكلام أن يكون كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏عسى أن يبعثك ربك وعسى الله أن يأتي بالفتح ‏.‏

والمنهمر‏:‏ السائل‏.‏ والجون‏:‏ الأسود‏.‏ والرباب‏:‏ السحاب‏.‏ والحمق، بكسر الميم‏:‏ الأحمق‏.‏

وكذا قال ابن عصفور في كتاب الضرائر، وبعد أن أورد هذه الأبيات وغيرها، قال‏:‏ وما ذكرته من أن استعمال الفعل الواقع في موضع خبر عسى بغير أن ضرورة هو مذهب الفارسي، وجمهور البصريين‏.‏

وظاهر كلام سيبويه يعطي أنه جائز في الكلام، لأنه قال‏:‏ واعلم أن من العرب من يقولك عسى يفعل، تشبيهاً بكاد‏.‏ فأطلق القول، ولم يقيد ذلك بالشعر‏.‏ إلا أنه ينبغي أن لا يحمل كلامه على عمومه، لما ذكره أبو علي من أنها لا تكاد تجيء بغير أن إلا في ضرورة‏.‏

وأيضاً فإن القياس يقتضي أن لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولأن استعمالها بغير أن إنما هو بالحمل على كاد، لشبهها بها من حيث جمعتهما المقاربة‏.‏

وكاد محمولة في استعمالها بغير أن على الأفعال التي هي للأخذ في الشروع، من جهة أنها لمقاربة ذات الفعل، فقربت لذلك من الأفعال التي هي للأخذ في الفعل؛ وليست عسى كذلك لأن فيها تراخياً‏.‏

ألا ترى أنك تقول‏:‏ عسى زيد أن يحج العام‏؟‏ وإنما عدت في أفعال المقاربة مع ما فيها من التراخي، من جهة أنها تدخل على الفعل المرجو، والفعل المرجو قريب بالنظر إلى ما ليس بمرجو‏.‏ فلما كانت محمولة في استعمالها بغير أن على ما هو محمول على غيره، ضعف الحمل، فلم تجيء إلا في الضرورة‏.‏ انتهى‏.‏

والبيت من قصيدة لهدبة بن خشرم، قالها في الحبس، وهي‏:‏

طربت وأنت أحياناً طروب *** وكيف وقد تعلاك المشيب

يجد النأي ذكرك في فؤادي *** إذا ذهلت على النأي القلوب

يؤرقني اكتئاب أبي نمير *** فقلبي من كآبته كئيب

فقلت له‏:‏ هداك الله مهل *** وخير القول ذو اللب المصيب

عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فرج قريب

فيأمن خائف ويفك عان *** ويأتي أهله الرجل الغريب

ألا ليت الرياح مسخرات *** بحاجتنا تباكر وتؤوب

فتخبرنا الشمال إذا أتتن *** وتخبر أهلنا عنا الجنوب

فإنا قد حللنا دار بلوى *** فتخطئنا المناي وتصيب

إن يك صدر هذا اليوم ولى *** فإن غداً لناظره قريب

وقد علمت سليمى أن عودي *** على الحدثان ذو أيد صليب

وأن خليقتي كرم وأني *** إذا أبدت نواجذها الحروب

أعين على مكارمها وأغشى *** مكارهها إذا كع الهيوب

وقد أبقى الحوادث منك ركن *** صليباً ما تؤيسه الخطوب

على أن المنية قد توافي *** لوقت والنوائب قد تنوب

هذا ما أورده القالي في أماليه، وزاد بعده الشريف الحسيني في حماسته‏:‏ الوافر

وإني في العظائم ذو غناء *** وأدعى للفعال فأستجيب

وإني لا يخاف الغدر جاري *** ولا يخشى غوائلي القريب

وكمن من صاحب قد بان عني *** رميت بفقده وهو الحبيب

فلم أبد الذي تحنو ضلوعي *** عليه وإنني لأنا الكئيب

مخافة أن يراني مستكين *** عدو ويساء به قريب

ويشمت كاشح ويظن أني *** جزوع عند نائبة تنوب

فبعدك سدت الأعداء طرق *** إلي ورابني دهر يريب

وأنكرت الزمان وكل أهلي *** وهرتني لغيبتك الكليب

وكنت تقطع الأبصار دوني *** وإن وغرت من الغيظ القلوب

الطرب‏:‏ خفة تصيب الإنسان لفرح، وحزن‏.‏ والنأي‏:‏ البعد‏.‏ ويؤرقني‏:‏ يسهرني‏.‏ والاكتئاب‏:‏ افتعال من الكآبة، وهي الحزن‏.‏ وأبو نمير، قال اللخمي‏:‏ هو ابن عمه، وكان مسجوناً معه‏.‏

وقال ابن هشام في شرح شواهده‏:‏ هو رجل كان مسجوناً معه، فجالسه يوماً، وأظهر له التألم‏.‏

وقال العيني‏:‏ هو رجل من قرابته، زار هدبة أيام حبسه، فأظهر الحزن‏.‏ والكآبة‏.‏ وقوله‏:‏ وخير القول ذو اللب، أي‏:‏ قول ذي اللب‏.‏

ورواه ابن المستوفي‏:‏

وخير القول ذو العيج المصيب

بالمثناة التحتية والجيم، وقال‏:‏ وهو مأخوذ من قولهم‏:‏ ما عجت به، أي‏:‏ لم أرض به‏.‏

وإن روى‏:‏ العنج بالنون فهو الاسم من عنجت البعير أعنجه عنجاً، وهو أن يجذب الراكب خطاماه، فيرده على رجليه، ضرب من رياضة البعير‏.‏

قال ابن السيرافي‏:‏ والعيج من القول‏:‏ ما ينتفع به، وهو مأخوذ من قولهم‏:‏ ما عدت بكلامه، أي‏:‏ ما انتفعت‏.‏ كذا وجدته‏:‏ العيج بفتح العين والياء‏.‏

وقوله‏:‏ عسى الكرب الذي أمسيت فيه‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، الكرب‏:‏ الهم‏.‏

قال ابن المستوفي‏:‏ روي بفتح التاء وضمها من أمسيت‏.‏ والنحويون إنما يروونه بالضم، والفتح عندي أولى، لأنه يخاطب ابن عمه أبا نمير، وكان معه في السجن‏.‏

وقوله هذا لابن عمه ليسليه به، لما رآه من خوفه، أجود من أن يكون يريد به نفسه، لأن في قوله لابن عمه زجراً له‏:‏ مهلاً، أي‏:‏ امهل، يدل على ما ذكرته‏.‏ ولا يجوز أن يقال‏:‏ إن اكتئاب ابن عمه إنما كان حذراً على هدبة، لأنه لو كان كذلك لما قال له‏:‏ مهلاً، ولأن الإنسان أكثر عناية بنفسه من عنايته بغيره‏.‏

ولا يمتنع ضم التاء على أن يريد به‏:‏ لا يضق صدرك بشيء، فإن الكرب الذي أمسيت فيه يكون له فرج قريب، فيزول ما عندك‏.‏ انتهى‏.‏

وعين اللخمي فتح التاء، قال‏:‏ الرواية عن أبي القاسم الزجاجي ضم التاء، وإنما هي تاء المخاطب، لأن ما قبل البيت يدل عليها، لأنه يخاطب أبا نمير، وهو ابن عمه، وكان مسجوناً معه‏.‏

وقوله‏:‏ يكون وراءه اسم يكون ضمير الكرب، وخبره الظرف، وفرج‏:‏ فاعل الظرف‏.‏

وقال ابن هشام‏:‏ وراء ظرف مؤنث تصغيره على وريئة، وظهور الهمزة في تصغيره دليل على أنه ليس من واريت، كما قال بعضهم‏.‏ والأظهر أنه بمعنى أمام كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من ورائه جهنم ، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ‏.‏

والفرج‏:‏ انكشاف الهم‏.‏ وفي يكون ضمير الكرب، ويجوز أن تكون ناقصة وتامة، وعلى الأول يكون فرج‏:‏ مبتدأ، وقريب‏:‏ صفته، والظرف‏:‏ خبر، والجملة الاسمية خبر يكون‏.‏ وعلى الثاني تكون الجملة حالاً‏.‏

ويجوز على الوجهين أن يكون فرج فاعلاً بالظرف على أنه خبر الناقصة، وحال من فاعل التامة‏.‏ وهذا أرجح من تقديره مبتدأ‏.‏ وإنما لم أقدر فرج اسم يكون على أنها الناقصة ووراءه الخبر، وفاعلاً ليكون على أنها التامة ووراءه متعلق بيكون كما فعل بعضهم، لأن فاعل الفعل الواقع في باب كاد لا يكون إلا ضميراً راجعاً للاسم السابق، فلا يجوز كاد زيد يموت أبوه‏.‏

وما خرج عن ذلك نادر، فلا يحمل عليه مع وجود مندوحة عنه‏.‏ وكذلك لا يكون اسم يكون ضمير الشأن كما قدره جماعة، لما ذكرنا‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وعان‏:‏ أسير‏.‏ وأراد بدار بلوى‏:‏ السجن‏.‏ والناظر، هنا‏:‏ المنتظر‏.‏ والأيد‏:‏ القوة‏.‏ وكع‏:‏ جبن وخاف‏.‏ وما تؤيسه‏:‏ ما تذلله وما تؤثر به، بالموحدة بعد الهمزة‏.‏ وباقي ألفاظ القصيدة ظاهرة‏.‏

وهدبة هو هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن، وهو سلمة، ابن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم، وسعد‏:‏ ابن أسلم بن الحاف بن قضاعة، ويقال‏:‏ بل هو سعد بن أسلم بن هذيم، وهذيم عبد لأبيه رباه، فقيل‏:‏ سعد بن هذيم، يعني سعداً هذا‏.‏

وهدبة شاعر فصيح متقدم من بادية الحجاز، وكان شاعراً راوية، وكان يروي للحطيئة، والحطيئة يروي لكعب بن زهير‏.‏ وكان جميل راوية هدبة، وكثير راوية جميل‏.‏

وكان لهدبة ثلاثة أخوة كلهم شاعر، وأمه كانت شاعرة أيضاً‏.‏ كذا في الأغاني‏.‏

وهدبة، بضم الهاء وسكون الدال بعدها موحدة‏.‏ وخشرم، بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين‏.‏ وكرز، بضم الكاف وسكون المهملة‏.‏ وأبو حية، بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية‏.‏

وسبب حبسه على ما رواه الأصبهاني بسنده في الأغاني‏:‏ أن هدبة بن خشرم وزيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرة بن حنيش بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله ابن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم المذكور اصطحبا، وهما مقبلان من الشام، في ركب من قومهما، فكانا يتعاقبان السوق بالإبل، وكان مع هدبة أخته فاطمة، فنزل زيادة فارتجز، فقال‏:‏ الرجز

عوجي علينا واربعي يا فاطم *** ما بين أن يرى البعير قائما

ألا ترين الدمع مني ساجم *** حذار دار منك أن تلائما

فعرجت مطرداً عراهم *** فعماً يبذ القطف الرواسما

كأن في المثناة منه عائم *** إنك والله لأن تباغما

خوداً كأن البوص والماكم *** منها نقاً مخالط صرائما

خير من استقبالك السمائم *** ومن مناد يبتغي معاكما

وقوله‏:‏ ما بين أن يرى البعير، أي‏:‏ ما بين مناخ البعير إلى قيامه‏.‏ ومطرد‏:‏ متتابع السير، وعراهم‏:‏ شديد‏.‏

وفعم‏:‏ ضخم‏.‏ والرسيم‏:‏ سير فوق العنق‏.‏ والرواسم‏:‏ الإبل التي تسير هذا السير‏.‏

والمثناة الزمام، وعائم‏:‏ سابح‏.‏ وتباغم‏:‏ تكلم‏.‏ والبوص‏:‏ العجز‏.‏ والمأكمتان‏:‏ ما عن يمين العجز وشماله‏.‏

والنقا‏:‏ ما عظم من الرمل‏.‏ والصرائم‏:‏ دونه‏.‏ ومعاكماً، أي‏:‏ يعينك على عكمك حتى تشده‏.‏

فغضب هدبة حين سمع زيادة يرجز بأخته، فنزل فرجز بأخت زيادة، وكانت تدعى أم خازم، وقيل‏:‏ أم قاسم، فقال‏:‏ الرجز

لقد أراني والغلام الحازم *** نزجي المطي ضمراً سواهما

متى تقول القلص الرواسم *** والجلة الناجية العياهما

يبلغن أم خازم وخازم *** إذا هبطن مستحيراً قاتما

ورفع الحادي لها الهماهم *** ألا ترين الحزن مني دائما

حذار دار منك أن تلائم *** والله لا يشفي الفؤاد الهائما

تمساحك اللبات والماكم *** ولا اللمام دون أن تلازما

ولا اللئام قبل أن تفاقم *** وتعلو القوائم القوائما

وقوله‏:‏ تقول القلص إلخ ، أورده النحويون شاهداً على إعمال القول إعمال الظن‏.‏ والعياهم‏:‏ الشداد‏.‏

قال‏:‏ فشتمه زيادة، وشتمه هدبة، وتسابا طويلاً، فصاح بهما القوم‏:‏ اركبا لا حملكما الله، فإنا قوم حجاج‏.‏ وخشوا أن يقع بينهما شر، فوعظوهما، حتى أمسك كل واحد منهما على ما في نفسه، وهدبة أشدهما حنقاً، لأنه رأى أن زيادة قد ضامه، إذ رجز بأخته وهي تسمع قوله ورجز هو بأخته، وكانت أخت زيادة غائبة لا تسمع قوله، فمضيا ولم يتحاورا بكلمة، حتى قضيا حجهما، ورجعا إلى عشائرهما‏.‏

وجعل هدبة وزيادة يتهاديان الأشعار‏.‏ ولم يزل هدبة يطلب غرة زيادة حتى أصابها، فقتله وهرب، وعلى المدينة يومئذ سعيد بن العاص، فأرسل إلى عم هدبة وأهله فحبسهم بالمدينة، فلما بلغ هدبة ذلك أقبل حتى أمكن من نفسه، وتخلص عمه وأهله، فلم يزل محبوساً حتى شخص عبد الرحمن بن زيد أخو زيادة إلى معاوية، فأورد كتابه إلى سعيد بأن يقيده منه، إذا قامت البينة‏.‏

فكره سعيد الحكم بينهما، فحملهما إلى معاوية، فلما صاروا بين يديه قال له معاوية‏:‏ قل يا هدبة‏.‏

فقال‏:‏ إن هذا الرجل سجاعة، فإن شئت أن أقص عليك قصتنا كلام وشعراً فعلت‏.‏ قال‏:‏ بل شعراً‏.‏

فقل هدبة هذه القصدية ارتجالاً‏:‏ الطويل

ألا يا لقومي للنوائب والدهر *** وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري

وللأرض كم من صالح قد تأكمت *** عليه فوارته بلماعة قفر

فلا تتقي ذا هيبة لجلاله *** ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر

حتى قال‏:‏

رمينا فرامينا فصادف رمين *** منايا رجال في كتاب وفي قدر

وأنت أمير المؤمنين فما لن *** وراءك من معدى ولا عنك من قصر

فإن تك في أموالنا لم نضق به *** ذراعاً وإن صبر فنصبر للصبر

وهذا البيت الأخير من شواهد النحويين‏.‏ وتأكمت‏:‏ صارت أكمة‏.‏ وروى بدله‏:‏ قد توأدت، قد تلمأت وتلأمت، أي‏:‏ وارته‏.‏

فقال له معاوية‏:‏ أراك يا هدبة قد أقررت بقتل صاحبهم‏.‏ ثم قال لعبد الرحمن‏:‏ هل لزيادة ولد‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، المسور، وهو غلام صغير لم يبلغ، وأنا عمه وولي دم أبيه‏.‏

فقال‏:‏ إنك لا تؤمن على أخذ الدية وقتل الرجل بغير حق، والمسور أحق بدم أبيه‏.‏ فرده إلى المدينة، فحبس ثلاث سنين، حتى بلغ المسور‏.‏

وذهب عبد الرحمن بالمسور، وقد بلغ إلى والي المدينة، وهو سعيد بن العاص، وقيل‏:‏ مروان بن الحكم، فأخرج هدبة، فلما مضي به من السجن للقتل، والتفت فرأى امرأته، وكانت من أجمل النساء، فقال‏:‏ الطويل

أقلي علي اللوم يا أم بوزع *** ولا تعجبي مما أصاب فأوجعا

ولا تنكحي إن فرق الدهر بينن *** أغم القفا والوجه ليس بأنزعا

كليلاً سوى ما كان من حد ضرسه *** أعيبد مبطان العشيات أروعا

ضروباً بلحييه على عظم زوره *** إذا الناس هشوا للفعال تقنعا

وحلي بذي أكرومة وحمية *** وصبر إذا ما الدهر عض فأسرعا

فمالت زوجته إلى جزار وأخذت شفرته فجدعت به أنفها، وجاءته تدمي مجدوعة، فقالت‏:‏ أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح‏؟‏ قال‏:‏ فرسف في قيوده، وقال‏:‏ الآن طاب الموت‏؟‏ فإذا هو بأبويه يتوقعان الثكل، فهما بسوء حال، فقبل عليهما، وقال‏:‏ الرمل

أبلياني اليوم صبراً منكم *** إن حزناً إن بدا بادئ شر

لا أراني اليوم إلا ميت *** إن بعد الموت دار المستقر

اصبرا اليوم فإني صابر *** كل حي لقضاء وقدر

قال النوفلي‏:‏ حدثني أبي عن رجل من عذرة عن أبيه، قال‏:‏ إني لفي بلادنا يوماً في بعض المياه، فإذا أنا بامرأة تمشي أمامي، وهي مدبرة، ولها خلق عجيب من عجز وهيئة، وتمام جسم، وتمام قامة، وإذا صبيان قد اكتنفاها يمشيان، قد ترعرعا فتقدمتها، والتفت إليها، وإذا هي أقبح منظر، وإذ هي مجدوعة الأنف، مقطوعة الشفتين، فسألت عنها فقيل لي‏:‏ هذه امرأة هدبة، تزوجت بعده رجلاً، أولدها هذين الصبيين‏.‏

قال ابن قتيبة في حديثه‏:‏ فسأل سعيد بن العاص أخا زيادة أن يقبل الدية عنه، فقال‏:‏ أعطيك ما لم يعطه أحد من العرب‏:‏ أعطك مائة ناقة حمراء، ليس فيها ذات داء‏.‏ فقال له‏:‏ والله لو نقبت لي قبتك هذه، ثم ملأتها لي ذهباً ما رضيت بها‏.‏

ولم يزل سعيد يسأله، حتى عرض عليه ست ديات فأبى، فدفعه إليه حينئذ لقتله بأخيه، فاستأذن هدبة في أن يصلي ركعتين، فأذن له، فصلاهما وخفف، ثم التفت إلى من حضر، فقال‏:‏ لولا أن يظن بي الجزع لأطلتهما، فقد كنت محتاجاً إلى إطالتهما‏.‏

ثم قال لأهله‏:‏ إنه بلغني أن القتيل يعقل ساعة بعد سقوط رأسه، فإن عقلت فني قابض رجلي وباسطها ثلاثاً، ففعل ذلك حين قتل‏.‏

وقال قبل أن يقتل‏:‏ الطويل

إن تقتلوني في الحديد فإنني *** قتلت أخاكم مطلقاً لم يقيد

فقال عبد الرحمن أخو زيادة‏:‏ والله لا قتلته إلا مطلقاً من وثاقه‏.‏ فأطلق له، وتولى قتله ابنه المسور، دفع إليه عمه السيف، وقال‏:‏ قم فاقتل قاتل أبيك‏.‏ فقام فضربه ضربتين قتله فيهما‏.‏

وهدبة أول من سن ركعتين عند القتل‏.‏ هذا ما اختصرته من الأغاني‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الحادي والخمسون بعد السبعمائة

الطويل

عسى طيئ من طيئ بعد هذه *** ستطفئ غلات الكلى والجوانح

على أن السين في قوله‏:‏ ستطفئ قائمة عند المتأخرين مقام أن، لكونهما للاستقبال‏.‏

قال الزمخشري في المفصل‏:‏ ولما انحرف الشاعر في هذا البيت عما عليه الاستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة أن، يعني لما لم يأت الشاعر بما حقه أن يجيء به مع عسى في الخبر، وهو أن، أتى بما يقوم مقامه في الدلالة على الاستقبال، وهو السين‏.‏ وعلى أن ذلك شاذ‏.‏

وكما دخل أن في خبر لعل حملاً على عسى، دخل السين في خبر عسى حملاً على لعل‏.‏

والبيت آخر أبيات أربعة، أوردها أبو تمام في باب المراثي من الحماسة، وعزاها لقسام بن رواحة السنبسي‏.‏ وقبله‏:‏

لبئس نصيب القوم من أخويهم *** طراد الحواشي واستراق النواضح

وما زال من قتلى رزاح بعالج *** دم ناقع وجاسد غير ماصح

دعا الطير حتى أقبلت من ضرية *** دواعي دم مهراقة غير بارح

عسى طيئ من طيئ ***‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏ البيت

يريد بأخويهم‏:‏ صاحبيهم، يقال‏:‏ يا أخا بكر، يراد‏:‏ يا واحداً منهم‏.‏ والحاشية‏:‏ صغار الإبل ورذالها‏.‏ والنواضح‏:‏ جمع ناضح، وهي الإبل التي يستسقى عليها الماء، جعلت كأنها تنضح الزرع والنخل‏.‏ وطراد وما عطف عليه بدل من نصيب، يقول‏:‏ إنهم لا يقدمون على القوم، ويغيرون على حواشيها دون جلتها، لأن الصبيان يرعونها‏.‏

يعني‏:‏ بلغ من جبنهم أن لا يتعرضوا للرعاة، إلا سرقة، يسرقون النواضح ويطردون الحواشي، فيرضون بذلك من طلب الثأر، فبئس العوض ذلك من دم أخويهم‏!‏ يهزأ بهم‏.‏

وهذا تعريض بمن وجب عليه طلب الدم، فاقتصر على الغارة، وسرقة الإبل‏.‏ وفيه بعث على طلب الدم‏.‏ وأكد ذلك بقوله‏:‏ وما زال من قتلى رزاح‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهو براء مفتوحة، وزاي وحاء مهملة‏:‏ قبيلة من خولان‏.‏ وقتلى‏:‏ جمع قتيل‏.‏

وعالج بالجيم‏:‏ موضع بالبادية فيه رمل‏.‏ والدم الناقع، بالنون والقاف، قيل‏:‏ الثابت، وقيل‏:‏ الطري‏.‏ والدم الجاسد، بالجيم، قيل‏:‏ القديم، وقيل‏:‏ اليابس‏.‏ والماصح، بالصاد المهملة، من مصح - كمنع - مصوحاً‏:‏ ذهب وانقطع‏.‏

يقول‏:‏ لا يزال من مقتولي هذه القبيلة بهذا المكان دم طري ويابس غير زائل‏.‏ يعني‏:‏ أن دماءهم باقية بحالها ما لم يثاروا بها، لأن غسل تلك الدماء إنما يكون بما يصب من دماء أعداءهم‏.‏ ولم يكتف بهذا الإغراء حتى قال‏:‏ دعا الطير‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، يقول‏:‏ دعا دواعي دمائهم طيور الأماكن البعيدة، والجبال المطلة، حتى أتت سباعهم وطيورها، وقعت عليها تأكل منها‏.‏

ومهراقة‏:‏ الهاء ضمير الدم، يعني‏:‏ أنه مصبوب في موضعه، لم يزل، ولم يحل‏.‏ قال الطبرسي‏:‏ ويجوز أن يريد بالمهراق الموضع المصبوب فيه الدم‏.‏ وفيه حث على طلب الثأر‏.‏

وضرية‏:‏ اسم بلاد تشتمل على بلاد سميت باسم ضرية بنت ربيعة بن نزار، كما قيل للماء الذي بين البصرة ومكة الحوءب - كجعفر - بالحاء المهملة، سمي بالحوءب بنت كلب بن وبرة‏.‏

وقوله‏:‏ عسى طيئ إلخ ، قال المرزوقي‏:‏ عسى لفظة وضعت للترجي والتأميل، إلا أنها تؤذن بأن الفعل مستقبل مطموع فيه‏.‏ ووضع السين بدل أن في خبر عسى لاشتراكهما في الدلالة على الاستقبال، مع أن السين أشهر فيها‏.‏

ومعنى عسى طيئ‏:‏ لعل البطن المغلوب من هذه القبيلة في القتال ينتصف من البطن الغالب منها فيه‏.‏

وقوله‏:‏ بعد هذه إشارة إلى الحالة الحاضرة بالتذكير، الجامعة لكل ما ذكره‏.‏

والغلات‏:‏ جمع غلة بالضم‏:‏ حرارة الجوف‏.‏ والمعنى‏:‏ المرجو من أولياء الدم أن يطلبوا الثأر في المستقبل وإن كانوا أخروه إلى هذه الغاية، فتسكن نفوس وتبرد قلوب‏.‏

وكانت القبيلتان معاً من طيئ، لأن طيئاً قبائل يكون أبداً بينهم قتال‏.‏ وطيئ بالهمزة على وزن السيد، وقد تحذف الهمزة فيبقى كحي‏.‏

والكلى‏:‏ جمع كلية وكلوة‏.‏ والجوانح‏:‏ الضلوع، جمع جانحة‏.‏ قال بعضهم‏:‏ الغلة إنما تكون في القلب، ولكنه أراد المبالغة، أي‏:‏ تجاوز القلب والكبد إلى الكلية‏.‏

وقال الخوارزمي‏:‏ إن سئل أي غلة للكلى حتى أضيفت إليها‏؟‏ أجيب بأن المزاج عند ورود الهموم والأحزان عليه، مما ينفعل ويسخن، فإذا سخن المزاج حمي البول واحتد، والبول ممره على الكلى، فكأنه قال‏:‏ ستطفئ الغلل التي يظهر أثرها في البول‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وقائل هذه الأبيات شاعر جاهلي وهو في بعض نسخ الحماسة‏:‏ قسام بن رواحة، وفي بعض آخر منها‏:‏ قسامة بن رواحة، بزيادة الهاء‏.‏ وهو بفتح القاف وتخفيف السين المهملة‏.‏ وفي كل منهما روي ابن رواحة السنبسي والعنبسي‏.‏

وقد أورده الآمدي في المؤتلف والمختلف فيمن يقال له ابن رواحة، قال‏:‏ ومنهم قسام بن رواحة العنبسي، ليس له عندي في شعراء طيئ ذكر‏.‏ وأنشد له الطائي في الحماسة‏:‏ لبئس نصيب القوم، الأبيات الأربعة‏.‏ هذا ما ذكره، ولم يرفع نسبه‏.‏

وهذا نسبه من جمهرة الأنساب، وقال‏:‏ قسامة الشاعر ابن رواحة بن جل بضم الجيم وتشديد اللام، ابن حق، بكسر الحاء المهملة وتشديد القاف، ابن ربيعة ابن عبد رضى، بضم الراء المهملة وفتح الضاد المعجمة بعدها ألف مقصورة، ابن ود بفتح الواو وتشديد الدال، ابن ود بضبط ما قبله أيضاً، ابن معن بن عتود، بفتح المهملة بعدها مثناة فوقية مضمومة، ابن عنين بضم المهملة وبين النونين مثناة تحتية، ابن سلامان، ابن ثعل، بضم المثلثة وفتح العين المهملة، ابن عمرو بن الغوث بن طيئ بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ‏.‏

ولم أر في نسبه لا سنبسا ولا عنبسا، والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثاني والخمسون بعد السبعمائة

الوافر

فعادى بين هاديتين منه *** وأولى أن يزيد على الثلاث

على أن أولى من مرادفات كاد ولا تستعمل إلا مع أن‏.‏

كذا قال ابن مالك في التسهيل؛ ومثل له شراحه بهذا البيت‏.‏

قال ابن عقيل‏:‏ عادى من العداء، بكسر العين، وهو الموالاة بين الصيدين بصرع أحدهما، على أثر الآخر في طلق واحد، ومنه قول امرئ القيس‏:‏ الطويل

فعاد عداء بين ثور ونعجة *** داركاً ولم ينضح بماء فيغسل

والهادية‏:‏ أول الوحش، ومنه قول امرئ القيس‏:‏

كأن دماء الهاديات بنحره *** عصارة حناء بشيب مرجل

وقال صاحب الصحاح‏:‏ أنشد الأصمعي هذا البيت، وقال‏:‏ أي قارب أن يزيد‏.‏ قال ثعلب‏:‏ ولم يقل أحد في أولى أحسن مما قال الأصمعي‏.‏ اه‏؟‏‏.‏

واستظهر الشارح المحقق أن يكون أولى المستعمل مع أن فعلاً تاماً متعدياً، وأن مع منصوبه مفعولاً لأولى، فإنه بمعنى قارب وهو فعل متعد‏.‏ وإنما استظهره للزوم أن مع الفعل، وهذا خلاف شأن أفعال المقاربة‏.‏

وأما أولى المستعمل مع اللام في قولهم‏:‏ أولى لك، وأولى له، وأولى لي، فهو اسم للوعيد غير منصرف للعلمية ووزن الفعل‏.‏ لا أفعل تفضيل لأفعل، بدليل قولهم‏:‏ أولاة الآن‏.‏ وهو من الولي، وهو القرب‏.‏ قال المبرد في الكامل عند إنشاد قول الخنساء‏:‏ المتقارب

هممت بنفسي كل الهموم *** فأولى لنفسي أولى لها

يقول الرجل، إذا حاول شيئاً فأفلته من بعد ما كاد يصيبه‏:‏ أولى له‏.‏ وإذا أفلت من عظيمة، قال‏:‏ أولى لي‏.‏

ويروى عن ابن الحنفية رحمة الله عليه أنه كان يقول‏:‏ إذا مات ميت في جواره وفي داره‏:‏ أولى لي، كدت أكون السواد المخترم‏.‏ وأنشد لرجل يقتنص الصيد، فإذا أفلته الصيد، قال‏:‏ أولى لك‏.‏

فكثر ذلك منه فقال‏:‏ الطويل

فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم *** ولكن أولى يترق القوم جوعا

اه‏؟‏‏.‏

وقال الفارسي في كتاب الشعر‏:‏ أولى‏:‏ اسم مبتدأ، ولك‏:‏ الخبر‏.‏ ولا يجوز أن يكون أفعل من كذا، لأن أبا زيد حكى أنهم يقولون‏:‏ أولاة الآن، إذا أوعدوا‏.‏

فدخول علامة التأنيث على أفعل، يدلك على أنه ليس بأفعل من كذا، وأنه مثل أرملة وأضحاة، في أنه على أفعل، لا يراد به اتصال الجار به، إلا أنهم جعلوا المؤنث فيه أيضاً معرفة، كما جعلوا المذكر كذلك، فصار بمنزلة شيء سمي بأضحاة فلم ينصرف‏.‏

فأما في قوله‏:‏ أولى فأولى يا امرئ القيس، فالخبر منه محذوف للعلم به‏.‏ ألا ترى أن الكلمة استعملت كثيراً في الوعيد، حتى صارت علماً له، فحذف الخبر لذلك‏.‏

فإن قلت‏:‏ أيجوز أن يكون أولى اسماً للفعل، وفيه ضمير المخاطب كأف ووشكان، ويكون لك في أولى لك، لا يكون الخبر، ولكنه بمنزلة قولهم لك في‏:‏ هلم لك، للتبيين، وفي سقياً لك، ونحو ذلك، ويكون امتناع التنوين من الدخول عليه، كامتناعه على وشكان ونحوه، لا كما امتنع من الدخول على غير المنصرف‏؟‏ فالجواب ما قدمناه، من أن موضع أولى رفع بالابتداء‏.‏ ويدل على صحة ذلك أن أبا زيد حكى أنهم يقولون‏:‏ أولاة الآن بالرفع، وهذا تأنيث أولى، ولو كان اسماً للفعل لم يرفع‏.‏

ألا ترى أنك لا تجد فيما سمي به الفعل شيئاً مرفوعاً، فيجعل أولى مثله‏.‏ والآن في قولهم‏:‏ أولاة الآن متعلق بمحذوف، كما تقول‏:‏ الوعيد الآن‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الطويل

وما كدت آيباً

على أنه استعمل كاد في الضرورة مثل كان، فجاء خبرها مفرداً في قوله‏:‏ وما كدت آيباً، كما يجيء خبر كان مفرداً‏.‏

وهذا قطعة من بيت، وهو‏:‏

فأبت إلى فهم وما كدت آيب *** وكم مثل فارقتها وهي تصفر

وتقدم الكلام عليه مشروحاً في الشاهد السابع والثلاثين بعد الستمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏